الكشاف .. الطلائع

الطلائع

انه ليستهوي الفتيان, هذا الكتاب الشائق ولقد استقبلوه استقبالهم لضالتهم المنشودة, فشغفوا به أيما شغف , وتحمسوا له أيما تحمس, وراحوا يردون موارده, ويسلكون طرقه, ويمعنون فيه نهبا واقتباسا, لا يولون على شيء فلا مطولات علمية أو فلسفية يضيق الأولاد بها صدرا فيتجاوزونها ولا شروح نظرية مسهبة تجعل منه سفرا مدرسيا سئم الأولاد أمثاله, انه كتاب منهم واليهم

انه كتاب منهم لأنه حياتهم ذاتها يحيونها في بصيرة ووعي , على مرأى منهم ومسمع , في ميادين اللعب والجد, والفكر والعمل, إنهم هم ذاتهم أطفال هذه اللعبة , وأبطال تلك الحكاية وفرسان ذلك القتال, وكل شيء فه لهم جديد وقديم معا: جديد جدة الحاضر وقديمه قدم الإنسان فكأنهم مع جديده في ألفة سنين وكأنهم مع أشخاصه في عشرة أعوام وكان عهدهم بجديدة قديم إذ يتعرفون إليه في أعماق كيانهم

وانه كتاب إليهم لأنه يسد فيهم حاجة حيوية, تشع له جوعا ويروي لهم عطشا, جوعا وعطشا إلى المنظور والملموس إلى الخيال والشعور إلى الجميل والرائع, إلى كل ما في الحياة من أشكال ومظاهر وصور فهو يتكلم إلى الولد عن كل شيء بلغته هي لغة الولد, فيتكلم إلى عقله يفتحه بما يطرقه به من أفكار خصبة وخواطر منيرة, ويتكلم إلى قلبه يحرك ساكنة ويثير أهواءه ويبعث رغباته لكي يشبعها من كل ما هو إنساني ويتكلم إلى حواسه يغذيها أشغالا, وألعاب وصورا , ومتعات, ولذائذ ينميها بها ويغنيها ويتكلم إلى نفسه يستجيب إلى نداء الأعالي الذي يتردد في جوانبها, فيسموا بها إلى أجواء صافية من التضحية ,والمحبة والإخاء يتكلم إليه كله, تلي جسمه ونفسه , إلى عقله وقلبه, إلى طفل اليوم, والى رجل الغد

للكتاب أجزاء ستة, صدر كل جزء ومنها على جدة , في فترات قصيرة من الزمن ثم جمعت كلها في مجلد واحد لم يلبث أن بيع منه الآلاف من النسخات وترجم إلى أهم لغات العالم

يشتمل الجزء الأول على بعض إرشادات عامة للمعسكرات يشرح له فيها ما يقوم به كل من رئيس الفصيلة ,أو رئيس  الطليعة ,من دور ثم يورد برامج كاملة لأربع من سهرات نار المخيم, هذه بعض موضيعها :

  • يبدأ برنامج السهرة الأولى بحديث عن فتيان مافكنج يمهد به للكلام في الكشفية فيحددها بأنها استعداد وخدمة لخدمة الجماعة وينتهي القصة “كيم” للكاتب كيلنغ
  • ويبدأ برنامج السهرة الثانية بقوله ” على من يريد من الفتيان أن يكون كشافا, أن ينضم إلى فصيلة من الفصائل التي تألفت في إحدى منظمات الشبيبة, أو أن يبحث له عن رفاق خمسة ينضمون إليه, فيؤلف هو ذاته معهم فصيلة كشفية جديدة, ثم تأتي لعبة “كيم” تجري بعدها تمارين في إشعال النار, فيقول للمدرب ادع الكشافين ليشعل كل منهم ناره, على ما يرى, ثم قم بملاحظاتك, ترشدهم بها إلى الطريقة المثلى لإشعال النار وتنتهي السهرة بقصة فتى توصل بذكائه وحيلته إلى اكتشاف الجريمة
  • وفي السهرة الثالثة يشرح مواد بعض الامتحانات ومدلول بعض الشارات
  • وفي السهرة الرابعة يدور الكلام على دستور الكشاف يشرحه الشرح الشامل الوافي

وتشتمل الأجزاء الأربعة الأخرى من الكتاب على المواد التالية: الآثار وتعقبها, الإشارات وقراءتها, الزحف,الحيونات ,النبات, الاستكشاف,المخيم, المطبخ, حياة في العراء, لغة المورس والسيمافور, القوة البدنية ,العادات الصحية, الوقاية من الأمراض , الفروسية ,النظام, الشخصية ,التمريض, بانتظار الطبيب, الوطنية

أما الجزء السادس والأخير فيشتمل على مجموعة كبيرة من الألعاب والتمارين والرياضات, تجري كلها في العراء وهناك بعض الإرشادات للمدربين عن الأساليب التي يجب إتباعها في هذه الألعاب والتمارين لكي تسلك طريقها وتأتي بفائدتها

سر الكتاب إذا انه يشوق للأولاد أعمالا هم إليها بطبيعتهم ميالون, كإشعال النار والطبخ في العراء, والكر والفر ,والهرب والمطاردة, والاستكشاف والتحري, وتعقب الآثار, واستنباط الحيل, والألعاب التي تشبه المغامرات, مما يستنفر في المرء القوى الكامنة ويدعو إلى الثقة بالنفس وينمي الشخصية

بذلك ادخل بادن باول أهواء الفتى وأمياله وغرائزه ذاتها, كعناصر أساسية في صلب أسلوب للتربية شامل, فتطهرت فيه, و تسددت, أسامت, وانسجمت مع المبادئ القويمة, فتحولت هكذا من قوى سامحة عمياء إلى أسباب حياة الإنسانية مثلى

..بادن باول من خبير لنفس الطفل إذ يقول:

” إننا نأخذ الولد لتربيته, وهو بعد في سن نصرة, تطير به الحماسة طيرانا إلى كل ما يطلب منه من جميل نبيل فيستمع منا إلى كل قول , ويلبي منا كل نداء فتنمو شخصيته ويبلغ مبلغ الرجولة الكاملة”

يعد بادن باول الفصيلة أفضل ما ابتكر من أسلوبه: أنها حجر الزاوية عليه يقوم البناء وبه يتحقق ما تصبو إليه  التربية الحقة من بناء للشخصية وتقوية الشعور بالمسؤولية, ورأيه في ذلك صريح

يقول:” من المربين والمدربين من لم يفهموا بادئ  ذي بدء فكرة الفصيلة وما تنطوي عليه نظامها من فوائد إلا أنهم لم يلبثوا أن أدركوا حقيقتها ووقفوا على فوائدها الجمة, ومزيتها الكبرى أنها تجاري طبيعة الولد ,وتساير ميله إلى التكتل والتجمع , فهو ما ينشط للعب, أو لمغامرة, أو للعبث, حتى تراه قد تقسم وتوزع فرقا, وشرذمات ,وعصابات نشأت على حين غرة ,نهض الأقوى بقيادتها, فإذا  أحسنت فهم نظام الفصيلة , وألقيت بمقاليد المسؤوليات فيها على رئيسها ,فانك لا تلبث أن تجني ثمارها وافرة ,أما إذا أبقيت في يديك الزمام, وحرصت كل الحرص على القيادة, لا يشاركك فيها من الفصيلة مشارك, فانك لا تلبث أن تبوء بالفشل”

هذه الأقوال وأمثالها عن نظام الكشفية علينا أن نحسن فهمها فإننا إذ نلقي على الفتى مسؤولية فصيلته, إنما نوليه ثقتنا, إلا أننا بذلك لا نتركه وشأنه يسير على هواه, دون دليل ورادع فله من شريعة الكشاف بنوع خاص , أفضل دليل واكبر رادع

ودستور الكشاف هذا لا يضع في وجهه الحدود والسدود, ولا يأتيه بالنواهي والزواجر لا يقبل له :” لا تفعل كذا ولا تأت بكذا ….

” هذا الدستور بتعلمه الكشاف ليس  على صورة سلسلة من النواهي, بل على شكل نصائح ودوافع وتحريضات, وواجبات يجد لها في طبيعته تجاوبا هو أقوى ما يرتكز عليه هذا الدستور ليكون للكشاف الدليل الهادي المطاع , لقد خلا الدستور إذا من كل نهي, حتى من النهي عن السكرات 

يجد فيه كل شر ,فلطالما كان للفتى داعيا للعصيان والمخالفة ,وان بادن باول ليذكر ,في هذا الصدد, ما خبر عن معاقرة بنت ألحان, فقال:

” لقد خبرت عواقب إدمان الكحول, فشهدت بدايته وشهدت نهايته, وشهدت إفلاس أساليب الزجر والنهي فيه, لقد أتت هذه الأساليب من خارج الإنسان, لا حول لها عليه ولا قوة بينما الإنسان لا يرتدع إلا برادع من نفسه, فهي قوة الإرادة تنبع من باطنه ,تستطيع أن تشفيه من دائه, أما الروادع الخارجية فما كانت أكثر الأحيان إلا لتزيد الطين بلة, ولا يستأصل شرا بخير يقوم مقامه, وليس بأنجح في معالجة داوء لنفس من الوسائل التي تأتي بها الكشفية, من تقوية الإرادة, واحترام الذات, ولسيطرة على الأهواء وليس بأفضل للإقلاع عن عادات سيئة, من تأتي بعادات حسنة تأخذ مكانها”

وهذا دستور الكشاف كما ورد في النص الإنكليزي الأصلي, إلا أن بعض البلدان قد أحدثت فيه من التحوير والتعديل ما لا يمس بجوهر وما أريد به تطبيقه على بعض ظروف المكان والزمان:

  1. شرف الكشاف جدير بان يعتمد عليه
  2. الكشاف مخلص لمليكه وضابطه ولواديه, ولبلاده ولرؤسائه ومرؤوسيه
  3. على الكشاف أن يسعى بالخير إلى قريبه وان يمد إليه يد المعونة,
  4. الكشاف صديق للجميع وأخ لكل كشاف مهما كانت الطبقة التي ينتمي إليها
  5. الكشاف ذو نبل وشهامة
  6. الكشاف صديق للحيوانات
  7. الكشاف يطبع أوامر والديه ورئيس فصيلته دون تردد
  8. الكشاف يبتسم أمام الصعوبات
  9. الكشاف متقتصد
  10. الكشاف نظيف الأفكار والأقوال والأعمال

 

واليك الوعد الذي يقطعه الكشاف على نفسه عندما ينخرط في سلك الكشفية:

” اعد بشرفي أن اعمل بأحسن ما أستطيع, واجبي نحو الله والملك وان أساعد القريب في كل فرصة “

واليك الآن ما يقوله بادن باول عن هذا الوعد:

” أشبه ما تثيره في نفس الفتى من روعة تأخذ بمجامع القلب, فينطلق وعده وهو صادق كل الصدق , جاد كل الجد, مصمم النية على البر به ما استطاع لكن الفتى ينسى ومن الطبيعي أن ينسى وان تزول من نفسه مع الزمن ,هذه التأثيرات القوية, فلا يجب أن يترك, بعد الوعد وشأنه ولا يجب أن نتساهل معه في أمر معرفة الدستور, وحفظه, وتنفيذه, أما الآفة الكبرى التي تترصده, فان لا يعود يذكر من الوعد والدستور إلا الحرف دون الروح والمعنى”

أما إذا فقه معنى الشرف, وتدرب على العمل بموجبه, فعلى الرئيس أن يوليه عندئذ ثقته التامة, مظهرا له بذلك انه ينزله منزلة الرجل المسؤول, وان ينيط به بعض المهام, دون أن يظهر له انه يشك في مقدرته, وانه يوجس منه خوفا, ودون أن يقف له بالمرصاد, يرقب كل حركاته وسكناته, فليتركه يعمل على ما يبدو له: ملقيا عليه مسؤولية عمله ففي المسؤولية سر النجاح وليس مثل الفصيلة ميدانا للتمرس في المسؤولية والاضطلاع بأعبائها وان الرئيس فيها إذا ما تركت له فيها حرية العمل ,ليتقدم في طرق النمو والرجولة, كما لا يتقدم قط في مدرسته

أما أكثر ما يستهوي الفتى في الكشفية فهو الحياة في العراء, والمخيمات, وأنها أيضا لظاهرة جديدة سبق بادن باول إليها عصره, وأقامها, على أسس من الشائق والمفيد معا, وليس كل من خيم بالكشاف, كما وليس كل من مخيم بمخيم كشاف فهناك أصول يجب أن إتباعها في الميخمات لتأتي بما ينبغي منها من خير ولنا في الإرشاد التالي الذي وجهه بادن باول إلى المدربين عام 1910 ما يفي بالمقصود قال:

“نحن الآن في فصل المخيمات, فهي قائمة على قدم وساق, واني لا انتهزها فرصة لأقول لكم رأي في بعضها, فلقد  شهدت منها ما لم يرقني سيره ,لأنه لم يأت على أساس صالح, واني لا نصح كثيرا بالا يتسع المخيم الواحد لأكثر من ست فصائل, وليكن لكل فصيلة خيمتها الخاصة, ومكانها المحدد, وعتادها التام, فيشعر الكشافون عندئذ أنهم ليسوا أرقاما ونكرات في قطيع من الغنم, بل أشخاصا هم أعضاء حية فصيلة مستقلة تحمل تبعاتها ومسؤولياتها, فالمخيم الكبير لا يأتي بعمل كشفي وهو لا يقوم إلا بعد تهيئة هي إلى التهيئة العسكرية اقرب, ولقد زرت منذ قليل احد هذه المخيمات الكبيرة, فلم استحسنه, على ما كان عليه مع ذلك من نظام تام, لأنه كان أشبه بثكنة عسكرية منه بمخيم كشفي, فلم تراع فيه الأصول الكشفية, وقد تفككت فيه وحدة الفصيلة, – مع أنها الأساس- ليحل محلها نظام تمليه الأماكن والخيام, فالفصيلة وحدة لا تتجزأ ولا تمس مهما كانت الضروف

أما إذا جاء إلى المخيم أكثر من ست أو سبع فصائل ,فلنقسم, الفصائل إلى مخيمين اثنين, يبعد الواحد عن الأخر مسافة لا تقل عن كيلومترات ثلاث

وللكشفية كما لكل منظمة, شاراتها وقام بادن باول بوضعها, وقد خبر بعضها في الجندية وهي تنقسم إلى شارات عامة تكفي كل نشاط كشفي, كشارات الدرجتين الأولى والثانية, وشارات خاصة تغطي للكفاءات وحدها, وهي عديدة تشمل كل نواحي المعرفة الإنسانية , بحيث يجد كل ذي همة ورغبة, ما يلائمه منها, وما هو في متناوله, وكان لهذه الكفاءات محبذها وناقدوها فهب بادن باول يدافع عنها ويشرح غايتها قائلا:

” لا غاية لنا من نظام الكفاءات إلا الاهابة بالفتيان ولاسيما من كانت معارفهم المدرسية محدودة التي تدرس بعض المواضيع الشيقة المفيدة, في جو من الحماسة والتنافس, لذلك يسلكون طريق لمعرفة, تقودهم في مراقبها دون أن يدروا على شرط أن لا يتخذ ذلك النشاط شكلا مدرسيا, فإننا عندئذ نتغذى على المدرسة دون أن نكون قادرين على مجاراتها في ميدان هو ميدانها “

وللكشفية أيضا, كما لكل منظمة هامة لباسها الخاص , وضعه لها بادن باول ذاته وقد شرح رأيه في الموضوع بما يلي:

لقد مست الحاجة إلى لباس يرتديه الكشاف أثناء نشاطه الكشفي, يكون صحيا, ورخيصا, وسهلا  و إلى أن اهتديت إلى الزي الملائم وقد خبرت مزاياه مع شرطة أفريقيا الجنوبية  فكان خير لباس لا اقصد دون أن يكون مع ذلك نسخة سترة العسكرية 

هذه لمحة عن كتاب “الطلائع” عقد دخل على الكشفية, فيما بعد تحويرات أملتها مقتضيات الزمان والمكان, إلا أن جوهر الكشفية ظل هو كما وضعه كتاب”الطلائع” وانه لا يزال الدستور الذي تتمشى عليه الكشفية العالمية

عن ahmed

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*