في مدينة بوسعادة التي تشكلت هويتها من تراكم الذاكرة والتاريخ والعمل الجمعوي، ظلت الحركة الكشفية واحدة من أهم روافد التربية غير النظامية التي ساهمت في تكوين أجيال متعاقبة من الشباب. وفي هذا السياق يبرز فوج الفلاح للكشافة الإسلامية الجزائرية كأحد أبرز التجارب الكشفية التي طبعت المشهد المحلي منذ تأسيسه سنة 1986، حاملاً رسالة تربوية وإنسانية امتدت لأكثر من أربعين سنة من العطاء المتواصل
يرتبط المسار الزمني للفوج بعمق رمزي يعكس صلته بالهوية الوطنية، حيث يتزامن تاريخ تأسيسه مع ذكرى وفاة عبد الحميد بن باديس الذي شكّل فكره الإصلاحي مرجعًا أساسياً لكل مشروع تربوي يسعى لبناء الإنسان وترسيخ قيم الانتماء والدين والوطن
غير أن جذور العمل الكشفي في بوسعادة تعود إلى ما قبل هذا التاريخ بسنوات طويلة حين برز الشهيد حميدة عبد القادر كأحد أوائل المؤسسين للفكرة الكشفية في المدينة خلال الأربعينيات، حيث جمع بين العمل الوطني والتربية والتنظيم الشبابي، وأسّس لوعي كشفي مبكر يقوم على التضحية وخدمة المجتمع
جاء تأسيس فوج الفلاح سنة 1986 ثمرة جهود مجموعة من القادة الذين حملوا مشروع إعادة بعث الحركة الكشفية في بوسعادة، ومن أبرزهم خالد بوهالي، عبد الرحمن حيجولي، بايزيد بوزيدي، بخي الطاهر، المرحوم بن عبد الله محمد، شميني مسعود، أحمد بن قطاف، بلوواضح عبد الوهاب، السد سليم، وصولًا إلى القيادة الجديدة بقيادة القائد غزال صهيب ومجموعته الحالية، وغيرهم من الرواد الذين آمنوا بأن الكشفية ليست نشاطًا عابرًا بل مشروع لبناء الإنسان وتربية الأجيال
وقد مرّ الفوج في بداياته بمرحلة صعبة اتسمت بالإمكانيات المحدودة والعمل غير المنظم، قبل أن يشكل افتتاح دار الشباب مفدي زكرياء نقطة تحول حقيقية ساعدت على تنظيم النشاط وتوسيع قاعدة الانخراط وبناء هيكل كشفي أكثر استقرارًا
من خلال تجربتي داخل الفوج منذ سنة 1987، عايشت عن قرب كيف تتحول الكشفية من نشاط شبابي إلى مدرسة تربوية متكاملة، حيث توليت مسؤولية الإعلام داخل الفوج، وكانت الكلمة والصورة وسيلة للتوثيق وصناعة الوعي وترسيخ الانتماء، كما كانت فرصة مبكرة لفهم معنى العمل الجماعي والانضباط والمسؤولية
تعاقب على قيادة الفوج عدد من القادة الذين ساهموا في استمرارية التجربة وتطويرها، من جيل المؤسسين إلى الأجيال اللاحقة، حيث حمل كل قائد جزءًا من المسؤولية في الحفاظ على روح الفوج وتطوير برامجه التربوية والتنظيمية، وصولًا إلى الجيل الحالي بقيادة القائد غزال صهيب الذي واصل حمل المشعل بروح شبابية جديدة
لم تكن مسيرة الفوج محصورة في النشاط الداخلي فقط، بل امتدت إلى المجتمع المحلي من خلال أعمال اجتماعية وتضامنية شكلت جزءًا أصيلاً من هويته، حيث برز في تنظيم عمليات إطعام عابر السبيل لسنوات طويلة بالتنسيق مع الهلال الأحمر، كما نظم عمليات ختان جماعي للأطفال خلال شهر رمضان، في مبادرات إنسانية رسخت مفهوم الخدمة العامة والعمل التطوعي
كما عرف الفوج حضورًا في مجال التكوين والمخيمات الكشفية التي شكلت مدرسة حقيقية خارج الجدران، حيث تنقل أفراده بين عدة مناطق من دلس وتاسوست إلى جيجل وسكيكدة وتلمسان، وهي تجارب ساهمت في بناء شخصية الكشاف وتعزيز روح الاعتماد على النفس والعمل الجماعي والانضباط
وفي جانب آخر، سجل الفوج مشاركات وطنية ودولية متعددة من بينها المخيم الكشفي الإسلامي العالمي بتركيا سنة 2004، والمخيم العربي بشرم الشيخ سنة 2005، والمخيم البيئي بالجلفة سنة 2006، إضافة إلى مشاركات تكوينية في الشارة الخشبية والإسعافات الأولية ودورات إعداد القادة
كما شارك بعض قادته في مبادرات إنسانية بارزة مثل التدخل في أحداث زلزال بومرداس سنة 2003، إلى جانب انخراطه في أنشطة إعلامية وتكوينية ساهمت في توثيق التجربة ونقلها إلى فضاءات أوسع عبر العمل الرقمي والمنصات الإعلامية الكشفية
لقد حافظ فوج الفلاح عبر كل هذه السنوات على هويته كمدرسة تربوية قبل أن يكون إطارًا تنظيميًا، حيث جمع بين التربية والتكوين والعمل الاجتماعي والإعلامي في تجربة متكاملة أسهمت في صناعة أجيال متعاقبة من الشباب القادر على تحمل المسؤولية
ومع مرور أربعين سنة على تأسيسه، يظل فوج الفلاح شاهدًا على أن الكشفية ليست نشاطًا مؤقتًا، بل مسار حياة قائم على القيم والتضحية والانتماء، وأن الاستثمار الحقيقي هو الاستثمار في الإنسان
ويبقى الشعار الذي رافق الأجيال المتعاقبة عنوانًا لهذه المسيرة
كشاف يومًا كشاف دومًا
أحمد بن قطاف
