الكشفية.. مصنع للقادة لا مسرح للأضواء
بقلم: القائد وسام الحجــار
في خضم المظاهر التي باتت تغزو عالمنا، وتسللت للأسف إلى بعض مفاصل حركتنا الكشفية العريقة، يقف المرء متسائلاً أمام ظاهرة “الكشفية البروتوكولية”. تلك الظاهرة التي اختزلت هذا المنهج التربوي العظيم في عبارات: “استقبل، ودّع، صوّرني، انظروا إليّ”.
إننا اليوم بحاجة ماسة لإعادة ضبط البوصلة، والتذكير بالبديهيات التي غابت خلف بريق الأوسمة وضجيج المناصب: الكشفية ليست “بروازاً” للوجاهة، بل هي ميدان للتربية.
وهمُ الألقاب: “أنا القائد “
كثيراً ما نسمع أصواتاً تعلو: “أنا القائد “، وكأن الرتبة الكشفية تشريفٌ اجتماعي أو “بريستيج” وظيفي. لقد تناسى هؤلاء أن المنديل الكشفي الذي يطوق أعناقهم هو عقد “خدمة” وليس صك “سلطة”.
القائد الحقيقي لا يستمد قيمته من عدد النجوم على كتفه، بل من عدد القيم التي غرسها في نفوس فتيته. إن الكشفية التي تتحول إلى ساحة للتنافس على الكراسي والمناصب هي كشفية “جوفاء”، فقدت روحها وبقيت مجرد هيكل خارجي لا حياة فيه.
العودة إلى الجذور: تربية ومهارات حياة
الحركة الكشفية وُجدت لغاية سامية ومحددة: تنشئة الفتية والشباب. هي عملية “صناعة إنسان” متكاملة:
• بناء الشخصية: تحويل الفتى من متلقٍ اتكالي إلى مبادر مستقل.
• مهارات الحياة: تعليمهم كيف يواجهون الصعاب، كيف يحلون المشكلات، كيف يعملون ضمن فريق، وكيف يخدمون مجتمعهم بصمت وإتقان.
إن المخيم الذي لا يخرج منه الفتى بمهارة جديدة، أو بسلوك مُقوم، هو مجرد “نزهة ترفيهية” لا تمت للكشفية بصلة. الكشفية هي مدرسة الحياة المفتوحة، وميدان لتعلم “الخشونة” والاعتماد على النفس، بعيداً عن دلال المدن ورفاهية المكاتب.
ماذا لو رآنا بادن باول؟
لو عاد اللورد بادن باول اليوم، ونظر إلى بعض الممارسات الشكلية، لربما شعر بالأسى. لقد كان واضحاً منذ اللحظة الأولى حين وضع أسس الحركة، حيث قال في كتابه (الكشفية للفتيان):
“إن الغاية من التدريب الكشفي هي تحسين نوعية مواطنينا المستقبليين، وخاصة من حيث الشخصية والصحة، واستبدال ‘الأنا’ بـ ‘الخدمة’، لجعلهم أكفاء ومفيدين للمجتمع.”
ويقول واصفاً دور القائد:
“القائد الكشفي هو الأخ الأكبر الذي يرى العالم بعيون فتيته، ويقودهم بالقدوة لا بالأوامر.”
خاتمة: دعوة للتصحيح
أيها القادة، الكشفية أمانة ثقيلة. فتياننا لا يحتاجون إلى قادة يستعرضون أمام الكاميرات، بل يحتاجون إلى مربين يشاركونهم الجلسة حول النار، يمسحون عرق الجبين في المسير، ويعلمونهم أن القيادة هي “خدمة الآخرين”.
فلنترك “شوفوني وحبوني” لمن يبحث عن الشهرة، ولنعد نحن إلى الميدان، إلى الخيمة، وإلى التربية الحقة. هناك.. حيث تُصنع الرجال
