كانت أعوام ما بعد الحرب أعواما حاسمة لحركة الكشافين والمرشدات, فلقد أدت للبلاد خدمات جلى, أظهرت بها مالها من الشأن, وما انطوت عليه من المقومات ,مما حدا بالحكومة إلى الاعتراف بها اعترافا رسميا, أصبحت به من صميم حياة الأمة
إلا أن مثل هذا الاعتراف لا يخلو من مخاطر فلئن جاءها بالاستقرار والطمأنية, وفتح أمامها أفاقا واسعة للنشاط, وكفاها مؤونة القلق على المصير والمستقبل فانه قد يجيئها يغير ذلك, فيكون داعيا لتراخي العزائم, والاتكال على الأمجاد القديمة, والاعتماد على عطف السلطات, فتنحرف المؤسسة عن خطها الأولى, وعن روحها الأصلية, وعن غاياتها الأساسية
قد يخشى أن تنام عندئذ على إكليل الغير
إلا أن بادن باول كان هناك, وهولا يزال في عنفوان قوته, وصلابة عوده, وهولا يزال خصب الفكر, واسع الحيلة, يتقدم كل يوم بفكر جديد, ومسعى جديد
انه ليس ممن يسكرهم النجاح, ويقعد بهم الفوز, فما الفوز لديه إلا مرحلة لها ما بعدها, في ميدان من الكفاح لا ينتهي
وكان أكثر ما يشغل باله, في تلك الحقبة تهيئة الرؤساء للحركة, إنها المسألة حيوية احد يعالجها منذ عام 1914 إذ نظم سلسلة من الدروس النظرية, عقب عليها باختبارات عملية وكان يحض الرؤساء على العمل الشخصي, ولقد كتب, على اثر زيارة له لأحد مخيمات, الرؤساء, ما يلي:
” علينا أن نحدد أولا, في تدريبنا للرؤساء, ما هو أساسي من الكشفية, وما هو ثانوي, حتى بدأب كل رئيس طليعة على تعلم ما هو أساسي , وهذا الأساسي قد وفاه كتاب “الطلائع” حقه من الشرح والتفصيل فعلى هذا الكتاب نبني برنامج العمل, نوزعه على عدد الأيام التي تسنح لها ,وندرسه درسا تقترن فيه النظريات بالاختبارات, وليس للكتاب من غاية غير ما ذكرنا من إرشاد الرؤساء إلى مسالك الكشفية الصحيحة
ويأتي بعد ذلك موضوع المخيم, تزود الرؤساء فيه بمعلومات اللازمة عنه تعلمهم بها كيف يضربون خيامه,وكيف ينظمونه, وكيف يديرونه, ومخيم لرؤساء هذا لا يختلف عن غيره من المخيمات, والفصائل يؤلفها الرؤساء ذاتهم, ولكل فصيلة رئيسها, كالمعتاد ,فيتمرسون في نظام الفصيلة وأساليبها, كما يتمرسون في مختلف وظائف المخيم, فيكون احدهم, يوما الرئيس ويوما أخر الرئيس المعاون, أو غيره من الأدوار التي ينقلب كل منهم فيها, طوال أيام المخيم”
وأرفق بادن باول حسب عادته, القول بالفعل فقدم المخيم الرؤساء برنامجا مفصلا قسم فيه الرؤساء والمدربين إلى فصائل من خمسة, فأعطى كل فصيلة خيمتها, وعهد إلى كل رئيس أن يدير فصيلته يوما, وطلب من كل فصيلة أن تقدم من أفرادها, بالتوالي, من يحفظ المؤونة و الاعتدة, ومن يشتري الأطعمة واللوازم, ومن يعني بالأسباب الصحية, ومن يخدم, ومن يطبخ ومن يتكلف ما سوى ذلك من شؤون المخيم
وكان على بادن باول بعد أن وضع نظاما خاصا لتدريب الرؤساء , أن يختار المكان الذي تقام فيه مخيمات التدريب هذه وبعد ما تداولت الإدارة في الأمر وقع اختيارها على ” جلول بارك” فأرسلت تخبره ,فأجاب:
” يا لها من بشرى لكان الموقع خلق لنا خلقا, لابد مع ذلك من ترميمات في المكان ليصلح لنا مقرا, كنت أود أن أراه, لكن بما إنكم قد وقعتم جميعا عليه, فان يكون إلا كما تتطلب المصلحة ,واني لأرجو أن يأتيني بعض الرؤساء والمدربين, في أيام عيد الفصح, لا مهد لهم السبيل في مخيم خاص”
وتم تدشين المكان في 25تموز1919 وبعد أيام قلائل أي في الثامن من أيلول, قيم فيه المخيم التدريبي الأول للرؤساء
وتوالت بعده المخيمات, سارت كلها على الخطة التي رسمها لها بادن باول فكان فيها ينقسمون إلى فصائل وكان كل فرد من الفصيلة
يتسلم بدوره زمام قيادة الفصيلة, وكانت الفصيلة هنا أيضا الوحدة في المخيم, كما كانت الوحدة في العمل, والوحدة في الألعاب, والوحدة في التمارين,
هذه الخطوط الكبرى في إطار نظم كل رئيس تفاصيل مخيمه وظروفه فكان بادن باول يتتبع في هذه المخيمات التدريبية سير الأمور, ويوحي إلى أربابها بعض التدابير, إلا انه لم يكن ليتدخل في شؤون من بيده ” دفة المركب”
وقد حدث له مع ذلك أن تدخل يوما, إذ رأى أن المخيم قد شط عن جادته, فاخذ عندئذ ,بيد حازمة, زمام الأمور, ليصلح الخلل, ويقوم السبيل ,ويعيد المخيم إلى نهجه, وكان في بادئ الأمر يزور كل يوم مخيم ” جلول بارك” ويكثر من الاتصال بالرؤساء المخيمين, ولم يلبث أن رأى أن يقيم أيضا بعض المخيمات التدريبية على المستوى إلا على يدعوا إليه مفوضي الفرق والمناطق
وسرعان ما تتحقق لديه الفكرة , وهو ذا أول مخيم للمفوضين أقيم في “جلول بارك” في حزيران 1920 وقد ترك احدهم لنا تأثيراته منه فقال:
” كنت يومئذ احد المخيمين, ولم يكن لي يومئذ ببادن باول معرفة وثيقة, فلقد التقيت به مرة في احد مخيمات “الرالي” وكنت ,كأكثر الرؤساء, تهيب جانبه, ولقد دهشت, كما دهش غيري, عندما رأيته في هذا المخيم اقرب إلينا من كل قرب, فهو في متناول كل منا, وكأنه واحد منا, حتى كدت ننسى رتبته ومكانته, ولقد استرعى انتباهي منظر المفوضين, وهم يفدون إلى المخيم بعضهم في السيارة,وبعضهم بالدراجة, هذا يحف به من حقائب الأمتعة ما يلزم وما لا يلزم, وغيره يحظر في بنطلون طويل عريض: وقميص ابيض مكوي, وياقة عالية منشاة, بينما بادن باول لم يأت معه من الأمتعة إلا بإلزامها وابسطها, فكان يستقبل مثل هؤلاء بسخرية لطيفة ناعمة لا تجرح, يعرض بها لذوي الأيادي المترفة البيضاء”
وهاهو ينصب خيمته, ويبدأ بتجول بين المخيمين, خفيف الروح, خفيف الجسم ,خفيف الثياب, يلقى هذا بكلمة لطيفة, وذاك بنكتة مضحكة, وأخر بحديث هام وقد رآه الذين أفاقوا في اليوم التالي باكرا, كيف وقف أمام خيمته يمارس, كأحد الكشافة, رياضته البدنية اليومية انه حقا لرئيس الذي يرفق الكلام بالعمل”
وعادت مشكلة القدامى من الطلائع تلح عليه تلج,بعد أن انهار من قام به في سبيل حلها من جهود, إذ باء مشروعه لجمع شمل القدامى في رابطة ,بالفشل وقضت الحرب على ما تحقق منه في أول عهده
وأخذت فكرة الجوالة, تخرج إلى النور وتتوضح لقد شعر انه بحاجة إلى غاية يرفقها لهم, مثل أعمى يوجههم إليه لا إلى شارات وعلامات ومظاهر خارجية ,كما هي الحال في الطلائع أما سوى ذلك من التنظيم, فيتركه بعدئذ إلى الحركة تنصر فيه في وقته
والغاية , قد وجدها : هي ( الخدمة ..والمبادئ التي تسير عليها الخدمة قد وجدها أيضا: هي تعليم الفروسية في جمعيات الفرسان, ولقد تبسط بادن باول في موضوعه هذا فقال:
” إن مرحلة الجوالة هي المرحلة الثالثة من أسلوب التربية الكشفية ولهذه المرحلة أهميتها في حياة الشاب إذ تحفضه في محيطه من عشرائه وفي جوه من الصداقة الخالصة, يحميانه ويرعيانه في سن هو فيها أحوج ما يكون إلى مثل هذه الحماية والرعاية
لكن الشاب لن يبقى طويلا في منظمة إلا إذا وجد فيها غاية وعملا إنها الخدمة توحي إليه هذه الغاية وتوفر له هذا العمل ,وأنها ليست بالشيء الجديد, فلقد نشأ على مثل هذه الأفكار,بدأ يسلك سيلها وهو جرموز, ثم أكشافا, وأنى لأفهم ” الخدمة” على الشكل التالي:
خدمة ألذات: إذ يسعى الشاب إلى تحصيل مهنة يرتزق منها, فتعود عليه وعلى المجتمع بالخير الجزيل فلا يكون عالة على ذويه وعلى المجتمع, وهو يرعى صحته وينمي قواه الجسمية, في مجالات الهواء الطلق
خدمة الحركة: إذ يزور الجوالة حركة الجراميز والطلائع بالرؤساء الأكفاء ,فيخدمونها بذلك فضل الخدمة
خدمة المجتمع: إذ يسعى ليكون فيه عضوا عاملا يؤدي كل ما يترتب عليه نحوه من واجبات ومن خدمة على أحسن وجه
لا تخرج خدمة الجوال عن نطاق شغله اليومي : إذ ليست على هامش حياته العادية ..أنها..بالا حرى, مهنته ذاتها يمارسها في خدمة المجتمع
هذه حركة الجوالة: وهذه أهدافها, وقد أخذت تسلك طريقها الخاص, يجانب أخواتها, من حركة الطلائع, وحركة الجراميز وحركة المرشدات
هلازودها بادن باول هي أيضا بكتاب بمثابة دستورها لها ؟
لقد راودته الفكرة فوقفت بإزائها طويلا, موقف المتردد, لا يعزم لأنه يرى في حركة الجوالة مالا يراه في سواها من اتساع المجال, وبعد الغاية وسهولة الأسلوب, ولين المبادئ انه لا يرى أن يفيدها كغيرها بقوانين لقد أطلقها روحا , روح الخدمة تشتعل في قلوب الشباب يمارسونها في مجالات الحياة اليومية كما تؤاتيهم الظروف
إلى أن ظهر الكتاب أخيرا عام 1922 بعنوان” طريق النجاح” يحمل إلى الشبان هذه الخواطر وأمثالها عن الخدمة, يحل مؤلفه لهم بها ما استعصى من مشاكلهم الخاصة, يرشد ويوجه, وينهض الهمم, ويسدد الخطوط إلى الغاية السامية, بما عرف به من خبرة واسعة لشؤون الشبيبة ومن اتصال وثيق بأوساطها
ولقد تجاوز الكتاب يومئذ حدود الكشفية, كغيره من كتب بادن باول فانتشر بين الشبية انتشارا انهالت معه الرسائل على صاحبه, الشبان يسترشدونه في مشاكلهم فكان يجيب على جميعها, لا انه كاد إذا ما عرف الشاب واطلع على حياته, يخوض معه لموضوع خوضه وفيا شافيا
إليك احد هؤلاء الشبان وقد شكا إليه ميله إلى تجنب الناس حبه للعزلة والانفراد فأجابه:
” اعرف الكثيرين من مثالك, واني لا أجدهم ..تشكو منه تعساء ومنهم من وجد له من هذه الحالة, مع الزمن , مخرجا وقد يبقى غيرهم على ما هم عليه من حب الانفراد, مدى حياتهم, دون أن يصيبهم من جراء ذلك مضامة, هل أنت من هواة الصيد, أو السير على الأقدام؟ لن ينغص انفرادك عليك ما تأتيك به هوايتك من لذة وسعة, أما أنا فما كنت يوما بأسعد مني في وحدتي , اذهب إلى الصيد وحدي, والى النزهة وحدي , والاستكشاف وحدي, وأكثر رجال الصيد أو الاستكشاف كانوا من هواة الوحدة, وإذا ما سايرت ميلك هذا إلى الوحدة في تخيمك وفي نزهك, وفي جولاتك, فانك لتنمي فيك شخصية فريدة, طريفة, ذات مزايا خاصة لم تكتسبها من احد, ولم تقتبسها من احد, ولم تتشبه فيها بأحد , على أن لا يغرك مع ذلك حبك هذا للوحدة, فتظن نفسك من طينة غير طينة الناس, ومن جبلة غير جبلتهم, خالط الناس إذا وعاشرهم, ولا تنفر منهم, فذلك لا يتنافى مع حبك للوحدة, اضحك معهم واعبث معهم ما استطعت”
واليك مثلا أخر من أجوبته”
” هل لك من هواية ؟ هل تحسن الضرب بالمنجل, وإطلاق شبكة في نهر؟ انك بينك تستطيع؟ أن تفهم القاعدة الذهبية التالثة: لا تستسرع الأمور ,ولا تنهك قواك في استعجال ما تأتيك به الأيام عفوا, لا بأس من الاهتمام بالغد , ومن السعي إلى المستقبل إلا انك لن تنال منه مثالا إذا ما أرهقت نفسك في طلبه, في حمى من النشاط تريد أن ترتفع به طفرة واحدة إلى حيث تصبو, قبل من الاهتمام بنفسك وأكثر من الاهتمام بغيرك, فإذا ما ضيقت من أفقك , فانك لا تلبث أن تنكمش على ذاتك في مرارة الأفكار السوداوية, أما إذا وسعت من أفقك ,فانك لا تلبث أن تشعر أن الحياة مغامرة وما أجملها من مغامرة
هذه حياة القلم يكتب ويجيب ويرسم الخطط ويضع التصاميم لشتى المشاريع, على طاولته, كأنه رجل غرفة وحسب حياة مع ذلك لا تلهيه عن العمل, لابل تقده إلى العمل ,فهو دائما على الطرقات, دائما هنا وهناك في مجالات الحياة, بين شبانه, فالعمل لديه غذاء للفكر والفكر لديه سبيل للعمل, فهما لديه متكاملان, فلا الفكر يبني قصوره في الهواء ولا العمل يأتي بحركاته فارغة هوجاء جسما بلا روح
وانك هكذا لاتفتأ تراه في هذه الفرقة, وفي ذاك ” الرالي” وفي ذلك المخيم, يتفقد ,ويلاحظ, ويمثل, حتى إذا جاء غرفته وضع على القرطاس ما يمليه عليه الفكر من مدح أو ذم, من نقد أو تحبيذ من تجديد أو تشديد, فيكتب مثلا إلى مفوض “الرالي” الذي زاره أخيرا”
” إنها ملاحظات أبديها لك دون أن ألبسها ثوب النقد الخشن, لقد كان الجراميز قليلون جدا,وقد يكون السبب أن مدارسهم لم تمنحهم الفرصة لذلك, فلا بأس بهذا العدد, وعلى كل فاني ألاحظك كثيرا على أن تعير الجرميز اهتمامك, فإنهم الينبوع الذي منه تستقى الطلائع, فلا يجب أن يشح كما وارجوا أن تنتشر في ناحيتك الطلائع البحرية, أن ذلك لسهل في بلد يعتنق فيه أبناؤه مهنة البحر على أوسع نطاق ”
وهذه ملاحظة عن نظام التجمع, انه لم المستحسن, بعد نشاط كشفي صاخب, كلعبة أو ركضة, أن يقع فجأة على الجميع سكوت تام قاطع, يسود على اثر صرخة من الرئيس, بالقرن أو بدونه, أنها بادرة تترك في جمهور الحضور إثرها, وتنم عن روح النظام الذي يجب أن يسود في المخيم
انهي سلسلة ملاحظاتي بثناء عما رايته من تعزيز الرقصات والأغاني الشعبية, تعيد إليها سابق مجدها, فما أحسن هذه الرقصات والأغاني وسيلة لتنشئة الطلائع والجراميز
كلمتي الأخيرة أني عدت من زيارتكم تملاني الثقة, ويملاني الأمل”
واتى عام 1918 وفيه تقع ذكرى مرور عشرة أعوام على تأسيس الكشفية وكان بادن باول قد اقتراح منذ 1916 أن تقام لهذه الذكرى بعض الاحتفالات, إلا أن الحرب, وكانت على أشدها, قد حالت دون تحقيقها هذه الفكرة وأرجى العيد إلى عام 1920
وتساءل بادن باول أثناء ذلك قائلا لماذا لا ندعو في هذا العيد, إلى “جمبوري” إلى تجمع عالمي للكشافة في مخيم تشترك فيه كل الأقطار؟
ولذكرى ذكرى الكشفية برمتها لها ولعيد عيد كل كشاف في العالم؟
ووقع الاختيار على “اولمبيا” في لندن مسرحا للعيد, وعلى ريشتموند وحديقتها مكانا للمخيم
وتوفدت فرق الكشاف من كل الممتلكات البريطانية ومن إحدى وعشرين دولة غيرها, فكان هناك كشافون من أمريكا, ومن الصين, ومن النرويج, ومن سيام, ومن الشيلي ,ومن اليابان,..أتوا جميعا تربطهم روابط من الإخوة الكشفية ,في وحدة من الأهداف والمساعي,
وقامت احتفالات متنوعة من تمثيليات , ورقصات, وألعاب, وأغان, على مسرح الطبيعة الرائع, تخفق في جوانبه إعلام الدولة , وتتردد في أجوائه لغات العالم
وانتهى الأسبوع الحافل, وجاء المساء الأخير, وبعد مشهد جميل من مشاهد التمثيلية العظمى التي دار موضوعها حول اتحاد دول العالم لبناء السلم, وقف بادن باول خطيبا, فوجه إلى الكشافين الحاضرين, ومن خلالهم إلى كل كشاف في العالم ,النداء التالي:
أيها الإخوة في الكشفية:
تسود بين شعوب العالم فوارق من المبادئ والشعور, كما تسود فوارق من اللغات والأجناس, ولقد علمتنا الحرب انه لا يحاول شعب من الشعوب أن يفرض إرادته على غيره حتى يلتهب العالم كله بنار حرب أكلة ولقد علمنا الجمبوري من جهته, أن الوئام يسود فيما بيننا على اختلاف أجناسنا, إذا ما احتمل بعضنا بعضا , وتسامح بعضنا مع بعض ومن هذين التعليمتين:تعليم الحرب وتعليم الجمبوري تنتهي إلى عهد نقطعه على أنفسنا أتريدون أن نضع دائما نصب أعيننا هذين التعليمين, فنذهب من هنا وقد عزمنا على العمل في سبيل الصداقة العالمية, والإخوة العالمية؟ فنكون أداة فعالة لنشر السلام في العالم, والسعادة بين البشر أيها الإخوة هل ترون معنا هذا الرأي وهل تسعون معنا هذا السعي ؟ اجيبو..”
فكان الجواب رعدا من الأصوات, ارتفع من كل الحناجر وفي كل اللغات, شق عنان السماء
وفي غمرة من الحماسة أعلن الكشافون بادن باول “الكشاف الأول” ثم حملوه ,وداروا به , في موكب حافل, في أطراف المخيم, بينما كان تصفيق الحاد يرتفع, موجه تلو موجه, يطبق الآفاق يعلن ختام ” الجمبوري الأول”
لم ينته” الجمبوري” كما تنتهي الاحتفالات العديدة, على عواطف وانطباعات لا تلبث أن تتبدد, لقد أتى بنتيجة وكفاه نتيجة انه ترك بعده والمكتب الدول الدائم للكشاف” أتى خاتمة طبيعية لاجتماع دولي رائع
حان للحركة الآن أن تستنطق الأرقام, وجاء الإحصاء الأول العام, سنة 1922 باعثا لأطيب الآمال فلقد بلغ فيه عدد الكشافين مليونا وعشرين ألفا , توزعوا على اثنين وثلاثين دولة, وجاء الإحصاء الثاني عام سنة 1939 محققا للآمال و فاتحا للكشفية أفاقا لاتحد فلقد بلغ عدد الكشافين فيه ثلاثة ملايين ونصف المليون
وفي عام 1924 قام الجمبوري العالمي الثاني في كوينهاغن, عاصمة سانمرك فسار على منوال سابقة من احتشاد والاحتفالات, وفي ختامه استضاف الكشافون الدانمركيون في بيوتهم رفاقهم من كشافي العالم, وقد عن بادن باول على “الجمهوري” الثاني هذا بالكلمة التالية:
” لم تعد الكشفية في مرحلتها الأولى, مرحلة التجارب والمحاولات, تتلمس فيها طريقها بحذر وتردد, لقد بلغت أشدها, وثبتت أقدامها, وأصبحت واضحة المعالم, واسعة السبل, فإذا بها في طليعة الحركات التي تعني بتربية الفتى لقد أظهرت للأهل والمعلمين وللمواطنين أجمعين, إنها جديرة بالثقة التي وضعوها فيها, لتنشئ لهم جيلا من الرجال أشداء صالحين, ولقد وسعت, بهذه التجمعات العالمية, أفاق الكشاف وجعلته, يشعر أن له إخوة في سائر البلدان, وان الفتيان هنا وهناك لمتشابهون, وإذا بأبناء أولئك الجنود الذين خاضوها منذ حرب إفناء وتدمير, قد اجتمعوا جنبا إلى جبن, من الألفة والإخوة والمحبة ما كنا لنحلم بمثله قبل خمس سنوات”
وتولت بعد ذلك “الجموري ” يقام كل أربع سنوات واحد منها في بلد من بلدان العالم
وكان “الجمبوري عام 1929 ب..دي احتفل به في بركنهيد, من أهمها لأنه أقيم لبلوغ المنظمة الواحدة والعشرين من عمرها , انه المهرجان لم يسبق له مثيل, اشترك فيه خمسون ألف كشاف من أربعين دولة, وزاره الملك, وزراه ولي العهد, وزاره أركان السلطات الدينية والمدنية في إنكلترا
وبهذه المناسبة منح الملك بادن باول لقب …أهدته الطلائع ” غرفة – سيارة” لتنقلاته في زياراته للفرق والمخيمات وفي تجولات استجمامه
وكان مسك الختام في ” اروبارك” – أي حديقة السهم- وفي مشهد مهيب ,أمام الآلاف المحتشدة من الطلائع, عمد بادن باول إلى فأس , وقد رمز بها إلى الحرب فدفنها في الأرض, ثم رفع يده بسهام من الذهب لماعة وقال:
” لقد أتيتم من كل أطراف المعمورة, إلى اجتماع من الأخوة الحقة, واني لمرسلكم الآن من ” اروبارك” إلى العالم, رسل سلام وأخوة, خذوه إذا ,هذا السهم الذهبي رمزا للسلم, رمزا للصداقة رمزا للأخوة ,ارشقوا به كل الجهات, ليتعلم الناس به الأخوة البشرية”
ودوى البوق ,معلنا ختام ” جمبوري بركنهيد”
لم تكن الأبواق كلها, يومئذ أبواقا تعلن انتصار الكشفية لقد كان هناك أبواقا غيرها ,أبواقا الدعايات وأبواق الأحزاب, وابوق الحزبية على اختلاف أنواعها وقد دوت, تريد أن تغطي بأصواتها بوق الكشفية لتجعل منها حزبا من الأحزاب
ما إن انتشرت الكشفية, وذاع لها اسم في كل أطراف البلاد, ومدت جذورها إلى كل طبقات الشعب, فأصبحت تيارا جارفا وقوة شعبية حتى هبت الأحزاب السياسية, والمذاهب الدينية والتعاليم الفلسفية تخطب ودها, تريد أن تحتكرها أن تتخذها مطية طيعة, ومركبا سهلا , لغاياتها
إلا أن بادن باول كان ابعد الناس عن الأحزاب ولقد استطاع أن يرسم لحركته طريقها الخاص الذي لا تمت فيه إلى حزب من الأحزاب بصلة وانه لفوز له باهر ناله في هذا الميدان, إذ استطاع أن يرد كل إغراء ويحبط كل مسعى لاستغلال حركته لأغراض حزبية
ومن هذه المساعي ما قام به حزب المحافظين, إذ زعمت إحدى صحفهم, في بحث لها على صفحاتها, إن كتاب”الطلائع” ليصطبغ بصبغة الحزب , ويبشر بمبادئه فأجابه مجيب في خبث انه لقادر أن يميل بالكتاب أي ميل شاء, يستدرجه إلى القول بما يريد فيظهره على هواه تارة بمظهر الاشتراكي, وأخرى بمظهر المحافظ وغيرها بمظهر الحر
وقام الحزب الشيوعي يندد بالكشفية فيزعم أنها مدرسة بورجوازية تبث فيما بين الشباب روح الرأسمالية والعسكرية, وطلب سكرتير الحزب الشيوعي حديثا مع بادن باول أراد به أن يزيل عن وجه الكشفية, كما زعم ..كل قناع , وان يفضح من نياتها وغاياتها ما استتر ,فأجابه بادن باول بقوله:” انه أن لشن حربا, وان الحرب لابد لها من اثنين متحاربين وانه هو لا يود أن يخوضها معه الآن, لان غاية ما يتوخاه من الكشفية أن تتيح لكل شاب , مهما رقت حاله, وضؤلت مواهبه, أسباب النجاح في الحياة بمعزل عن كل نشاط حزبي
وقامت بعض المذاهب الدينية تسعى, من جهتها, لتسيطر على الحركة ,فكان موقف بادن باول منها مثل موقفه من الأحزاب السياسية فترك للفرق الكشفية المجال تمارس فيه من الدين ما نشأت عليه, دون أن يشدها إلى دين معين و وذهب في رحابه إلى ابعد من ذلك فأراد أن يوسع من أحضان الكشفية لمن لا ينتمي إلى دين, أملا منه أن ترتفع الكشفية بمثل هؤلاء إلى الله, بما تكشفه لهم في الطبيعة من آياته , ومن أثاره, وكان جل ما يسعى إلى تنمية في كل طفل تلك العاطفة الدينية العميقة التي تقود إلى محبة الله ومحبة القريب
مثل هذا الموقف المستقل أثار عليه حفيظة بعضهم, فلم يتوزعوا من اتهامه بالدهرية فكان جوابه مفحما, إذ قال:” أننا نعتقد أن كل طفل يحمل الله في قلبه, وان شر طفل في العالم لا يخلو من بعض الصفات الأدبية,فهو على الأقل, يعجب بالشجاعة, والعدل , والصدق وله بوادر من الشهامة والكرم, فلا يتخلى عن رفيق له في محنة, أنها شرارة من نار تخبو فيه, وتطلب من يزيح عنها الرمد , وعلينا نحن أن نزيح الرماد عما يخبؤ في نفسه من نار الهبة, وان ننفخ فيها من روحنا ,إلى أن تشتعل وتحرق كل ما حولها من أدران, إننا نقود الفتى إلى الغايات الرهيبة, والى الحقول المزروعة, والى الجبال الشامخة, والى البحار الصاخبة, عله يكتشف قوانينها الأزلية ويطلع على آيات الحياة التي تزخر في حيونها ونباتها, ويشغف بالجملات المنبثة في كل نوحيها, فيرتفع بنظره وقلبه إلى الله إلى الخالق”
وليس بادل على هذه الروح في الكشفية من شهادة رئيس ديني كبير هو الكردينال بورن فلقد قال في ” جمبوري” 1929 ما يلي:
” لقد أولاني بادن باول شرف استشارتي, منذ بدء الحركة ,في مثل هذه الشؤون, فأكد لي انه يترك لكل كشاف الحرية التامة ليتبع أوامر ضميره ونواهيه, ويعبد الله على ما يرى, وانه يشجع كل من ينتمي إلى مذهب أن يعبد الله بمقتضاه, وانه لن يضغط على ضمير ولن يحاول أن يضم جماعته إلى مذهب معين واحد يصهرهم به في بوتقة واحدة من الاعتقاد, والآن وقد مضى على حديثي هذا مع بادن بول إحدى وعشرين سنة, أعلن بكل سرور أن لرئيس قد قام في هذا الصدد بما قطعه على نفسه يومذاك من عهد”
لقد استطاع بادن باول أن يدير بحزم وحكمة دفة المركب ,فيسير به, بين مثل هذه الصخور دون ما انحراف أو انحياز, إلى المرفأ الأمين”
